مارس 18، 2011

تسقط التعديلات ودستورها .. ويحيا دستور الحرية

تسقط التعديلات ودستورها .. ويحيا دستور الحرية

دستور 1971 هو وثيقة مذلة مهينة، صنعت في مواخير الاستبداد والديكتاتورية والدولة البوليسية. انه وثيقة تدل دلالة بالغة على عصور الظلام والاستخفاف بالشعب التي عاشتها مصر.
ان مواد هذا الدستور كومة من القمامة استخدمها الحكام بوحشية ليجلدوا الشعب، وليصلوا بمصر الى الحضيض الذي وصلت اليه، وليتبجحوا في وجه المصريين ووجه العالم مدعين أن لدى مصر دستورا، وهو عار الدساتير كلها على سطح الأرض، ووصمة على صفحة التاريخ الانساني.
لقد جرت صياغة دستور 1971 وتعديله عدة مرات بواسطة بعض من يشتغلون بالقانون من قوادين لاضمير لهم، استحلوا لأنفسهم ذهب السلطان وقربه، وصاغوا وقننوا فيه لسلاطين مصر – محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك وجمال محمد حسني مبارك - أكثر نزواتهم جنونا. كان من قدرنا أن عكر صفو وادينا الجميل كثرة من حكام المماليك والحاكم بامر الله وكافور الاخشيدي وولاة آل عثمان ممن كانوا حكاما طغاة ومجرمين بل وأحيانا مجانين وشواذ عقليا ونفسيا، لكنهم كانوا أقل جنونا وجشعا وشذوذا وانسياقا لنزواتهم من حكامنا الثلاثة الأخيرين: فشواذ حكامنا القدامى لم يدعوا أنهم يحكمون بدستور، وكانوا يتبعون سنن الطغيان التي سادت في العصور المظلمة والبدائية وفي العصور الوسطى. أما هؤلاء الثلاثة الأخيرين فقد طغوا علينا في القرن العشرين وعقدا من القرن الحادي والعشرين. 
وهذا الدستور تم اقرار مواده المشينة من قبل مجالس نيابية تشكلت عن طريق التزوير والضغط وشراء الذمم  واطلاق المجرمين المأجورين واستغلال فاسد للدين أو العصبية العائلية، وفي ظل منع حرية تكوين الأحزاب وحرية حركتها، وبنسب تصويت شعبي تعتبر من أدنى النسب في العالم.
وضمت هذه المجالس في عضويتها حشودا من الفاسدين واللصوص والخارجين على القانون وتجار المخدرات
ثم نظمت الدولة البوليسية مسرحيات استفتاء شعبي مزورة، حيث أعلن بعدها أن الشعب المصري قد أقر هذا الدستور وتعديلاته. والشعب المصري لم يقر أبدا هذا الدستور في أي يوم.
ثم استخدم هذا الدستور وتعديلاته في واحدة من أبشع عمليات انتهاك الشعوب وانتهاك حقوقها.

هذه الحقائق كلها يعرفها الشعب ويعرفها العالم كله ويعرفها المجلس العسكري.

أي أن هذا الدستور باطل من أساسه بطلانا تاما: فنصوصه باطلة، والطريقة التي وضع بها باطلة، والمجالس التي أقرته باطلة والحكام الذين طرحوا الدستور والتعديلات للاستفتاء شرعيتهم باطلة، والاستفتاءات على الدستور باطلة، والأغراض التي صاغ الحكام لها هذا الدستور باطلة. النتائج التي ترتبت على كل هذا البطلان هي اعتلاء السلطة حكام فاسدون جهلاء غير مؤهلين، استخدموا سلطاتهم المطلقة شر استخدام وكأن مصر عزبة أبيهم، لايتخلون عن سلطتهم الا موتا أوقتلا أو ثورة!

وأسال المجلس العسكري، كيف يدعو الشعب للاستفتاء على دستور باطل مذل مهين؟ الهذا ثار الشعب المصري البطل في 2011؟

فالتعديلات التي طلبها المجلس العسكري من لجنة المستشار البشري لايمكنها أن تزيل البطلان، بطلان دستور 1971.

وقرار المجلس العسكري بطلب التعديلات لدستور يرفضه الشعب، هو نفسه قرار باطل. ولا يمكن للشعب أن يقبل أي مبررات تقدم لتبرير هذا القرار.

فالشعب لايخشى من ديكتاتورية عسكرية، لأنه يثق بصدق ما أعلنه المجلس العسكري من تأييد للثورة، وعزم على أن يحمي ارادة الشعب الحرة في بناء شرعية دستورية جديدة. والكلام الكثير عن امكانية الدخول في نفق مظلم لديكتاتورية عسكرية هو كلام وتخوفات لاتقوم على أساس من فهم صائب لحقيقة الوضع السياسي في مصر بعد أن استيقظت ومضت  بقوة وعزم على طريق الثورة. فالمواطنون المصريون في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفي القوات المسلحة بأسرها، يبدون ككل المواطنين، وقد أنار صدورهم أمل جديد مع مجيىء الثورة، وتصاعدت آمالهم في المساهمة في انقاذ وطنهم، وبناء مصر حرة متقدمة عزيزة.

القوات المسلحة تبدو الآن وكأنها رأت في الثورة خيارا وحيدا وفرصة قدرية لانقاذ الوطن.  انني أصدق تماما اخلاص كلمات اللواء محمد العصار في مستهل حديثه على قناة دريم. كان صوته وكلماته وصدقه رجعا لصدى الصوت الوطني الباسل للعسكرية المصرية منذ أيام أحمس وحتى أيام عبد المنعم رياض والكفاح على الجبهة واقتحام قناة السويس.

هذا الصوت الذي حاولت خنقه مقامرة القدس المشئومة لأنور السادات، والخنوع الجاهل لمبارك، ذلك الخنوع من رجل لم يعرف ابدا ولم يفهم أبدا قدر مصر، وقدر شعب مصر. هؤلاء المواطنون في المجلس العسكري وفي القوات المسلحة يبدو أنهم يعرفون ويفهمون قدر الوطن والشعب.

الثورات قوى جبارة، تحول التاريخ. والثورة المصرية قد مست الجيش المصري وهزته وغيرته ومنحته الأمل وعلمته أن الشعب لم يمت، وأن روح الحرية والنهوض في مصر لم تخمد. الثورة علمت الجيش أن الشعب يستطيع أن يجترح المعجزات، وأن يحقق مالا تستطيع الجيوش تحقيقه.

واني على يقين من أن الشعب وكل الوطنيين في القوات المسلحة سوف يقاومون أية مغامرات من مهرجين مقامرين من أمثال أنور السادات وجهلاء مظلمي العقل والضمير من أمثال حسني مبارك للوثوب على السلطة وتنصيب ديكتاتورية عسكرية سوداء تحت اي ظرف وباسم أي مبررات. الشعب المصري، بروح الحرية والثورة والوطنية المصرية، والوطنيون في القوات المسلحة، سوف يجهضون ويلحقون الهزيمة بأية مغامرات لمغامرين عسكريين يخونون الشعب والدستور والوطن. هذا عهد نقسم عليه معا على خريطة مصر.

والشعب الثائر الذي منح ثقته لجيش مصر ليتولى مؤقتا سلطة الدولة والتشريع، لم يمنح الجيش قيادة الثورة.

فالقيادة الشعبية للثورة قد تخلقت بالتدريج وبسرعة، وقد أظهرت روحا ثورية جبارة وقدرة على العمل وعلى الهام الملايين وحشدهم وأظهرت كذلك بوضوح تقديرا سياسيا وطنيا صائبا ودقيقا وعقلا سياسيا واعيا وناضجا.

والجيش يجب أن يقدر جيدا حدود دوره السياسي المشروط والمؤقت في المرحلة الانتقالية لاعادة بناء الدولة وبناء شرعية دستورية جديدة في مصر.

فالمهمات الثورية الأساسية للثورة المصرية تتلخص بوضوح في:
الاطاحة بالرئيس
والاطاحة بحكومة الرئيس
و الاطاحة بدستور الرئيس
والاطاحة بجهاز أمن الدولة
والاطاحة بمجلسي الرئيس النيابيين المزورين
وعزل قادة النظام والمحافظين وقادة الأمن العام الفاسدين وكبار الفاسدين والمفسدين والمتربحين في جهاز الدولة والقطاع العام والقطاع الخاص والقضاء وحزب مبارك والمجالس النيابية المزورة المنحلة، وتقديمهم للعدالة
وعزل العناصرالبوليسية والعناصر الانتهازية والمعادية للثورة في أجهزة الاعلام والصحافة، أما المتربحون والذين حرضوا ضد الثورة واختلقوا الأكاذيب وروجوها فلابد من تقديمهم للعدالة
و عزل العناصر المشابهة في النقابات والاتحادات والجمعيات والأزهر ودار الافتاء وقطاعات الفنون والثقافة والجامعات والأندية الرياضية واتحاداتها
وحل المجالس المحلية
واطلاق سراح المعتقلين السياسيين
وملاحقة العناصر الاجرامية التي قتلت الثوار واعتدت عليهم والعناصر التي رتبت للقتل والعدوان المادي والمعنوي
والغاء القوانين المعادية للحريات
وانهاء حالة الطوارىء، والغاء القانون الحالي للطوارىء الى حين اقرار قانون جديد يليق بمجتمع حر.

وتتجه المهام الثورية في نفس الوقت وبالتزامن نحو تنصيب حكومة يرضاها الشعب تكون مهمتها ادارة شئون البلاد ويكون عليها أن تنجز عمليا و بحزم كل المهام السابقة واللاحقة للثورة تحت رقابة الشعب المباشرة، وبدعم وضمان وحماية القوات المسلحة. وقد تم بالفعل تنصيب حكومة الدكتور عصام شرف من ميدان التحرير وبرضاء شعبي واسع محل حكومة اللورد شفيق التي اطاح بها الشعب. وبالاضافة الى مسئولية كل وزير في الوزارة عن عمله وعما يسنده اليه رئيس الوزراء فان رئيس الوزراء مسئول عن عمل وزرائه وعن عمل وزارته عموما وعليه أن ينحي الوزراء الذين تثبت الممارسة عجزهم عن الأداء ونقص كفاءتهم أو تخاذل مواقفهم أو تعاونهم مع عناصر النظام المنهار، وسيكون في اجراءاته تلك مدعوما من الشعب مباشرة

وتضع الثورة نصب أعينها تنظيم مرحلة انتقالية مدتها عام على الأقل يتم فيها انجاز جملة من المهام الثورية الحاسمة وعلى رأسها:

- وضع دستور جديد لجمهورية برلمانية ذات مجلس نيابي واحد ( وبدون الدخول في مزيد من الجدل العقيم، فانني أتصور ببساطة، أن تقوم حكومة الدكتورشرف باعداد قائمتين كل منهما تتكون من 100 مرشح لعضوية الجمعية التأسيسية يمكن أن يحظى بالقبول العام والتوافق الشعبي عليه وذلك من أساتذة القانون الدستوري والقضاة والمحامين والشخصيات العامة وممثلين للمرأة وممثلين للفلاحين وللعمال ولرجال الأعمال الوطنيين وللقوات المسلحة وللشرطة ولبدو سيناء، وتعرض هذه الأسماء، ومعها المعلومات الأساسية عن كل مرشح وتاريخه وارائه ودوره الوطني، في الصحف والانترنت والتليفزيون ليتم نقاش حولها لمدة أسبوعين، ويتم منح فرصة لكل من هؤلاء المرشحين للحديث الى الشعب عبر التليفزيون والكتابة في الصحف في أوقات ومساحات تفرد لهذا الغرض. وتقوم الحكومة الشرفية بناء على تحليل هذا النقاش الواسع بالتوصل الى استنتاج قائمة واحدة من 100 عضو تطرح للنقاش مرة أخرى لمدة اسبوعين، ويقوم االمرشحون بالحديث والكتابة مرة أخرى. ثم يطرح المجلس العسكري القائمة للاستفتاء الشعبي. ويراعى أن يكون 50 عضوا من الجمعية من خبراء الدستور والقضاة والمحامين. واذا تمت الموافقة على الجمعية التاسيسية شعبيا، تبدأ عملها في وضع دستور جديد لجمهورية ديمقراطية برلمانية ذات مجلس نيابي واحد خلال مدة لاتتجاوز ستة أشهر، وتتم متابعة عملها شعبيا على أوسع نطاق، الى ان تستقر على صيغة نهائية لدستور يليق بمصر ويليق بدورها في بناء الحضارة الانسانية. ويطرح المجلس العسكري الدستور للاستفتاء الشعبي، فاذا أقره الشعب يقوم المجلس العسكري باعلان العمل بالدستور الجديد وتحديد مواعيد الانتخابات للبرلمان ولرئيس الجمهورية في وقت واحد، في تاريخ لايقل عن اثني عشر شهرا من تاريخ الاستفتاء الذي يقر الجمعية التأسيسية. فاذا سارت الأمور على هذا النحو، فسيكون لدينا جمعية تأسيسية أقرها الشعب في تاريخ يدور حول أول مايو 2011، وهكذا يكون الدستور جاهزا خلال 6 أشهر من هذا التاريخ وتكون الانتخابات للبرلمان ولرئيس الدولة في أول مايو 2012، وتكون مصر قد استضافت قواتها المسلحة في سلطة الدولة لمدة تبلغ نحو 14 شهرا و17 يوما. وتعود القوات المسلحة الى مواقعها ودورها الوطني الاعتيادي، بعد أن تكون قد عززت موقعها في قلب مصر وضمير شعب مصر العظيم)   

-  اطلاق الحريات العامة واقرار قوانين تطلق حريات تكوين الأحزاب وتأسيس الصحف ووسائل الاعلام وحريات التنظيم السياسي والنقابي والمدني وحريات التعبير والتظاهر والاعتصام السلمي. (وهذه القوانين يجب أن تصدر بها قرارات من المجلس العسكري على الفور، بناء على نصوص ديمقراطية للقوانين تقدمها حكومة الدكتور شرف)

 -  تنقية القوانين التي تحد من استقلال القضاء والنيابة العامة، والغاء كل أجهزة ومحاكم القضاء الاستثنائي، واعداد قوانين جديدة للسلطة القضائية ( وهذه مهام تنظمها حكومة الدكتور شرف وفق برنامج تضعه وتعرضه على الشعب)

- فصل مكتب الأمن الوطني الذي أعلن عنه وزير الداخلية عن وزارة الداخلية، وتبعيته لرئيس الوزراء أو لوزير دولة مستقل في المستقبل، واعداد قانون خاص بهذا المكتب يحدد وظائفه وضوابطه، واخضاعه لسلطة القضاء ورقابة البرلمان. واعادة تنظيم وزارة الداخلية، واعداد قانون جديد ينظم عملها ويحدد وظائفها بوضوح ويخضعها لسلطة القضاء. ولابد من صدور قرار من المجلس العسكري يؤكد الغاء جهاز أمن الدولة، ويعلن انشاء مكتب للامن الوطني مستقلا عن وزارة الداخلية، ويتبع رئيس الوزراء، ويخضع لاشراف وسلطة القضاء، الى ان يتم وضع القانون الخاص بهذا المكتب، كما يقوم السيد وزير الدخلية باعلان وجهة نظره وبرنامجه في اعادة تنظيم هذه الوزارة واخضاعها لاشراف القضاء وسلطته)

- تشكيل لجنة علمية تتبع رئيس الوزراء تكون مهمتها دراسة أوضاع التعليم العام والفني والجامعي والبحث العلمي في مصر لوضع خطة ثورية شاملة للنهوض بالتعليم والبحث العلمي في مصر خلال 10 سنوات، وكذلك تنظيم خطة عملية ثورية لمحو أمية المصريين تماما خلال عامين. تضم نواة هذه اللجنة الدكاترة أحمد زويل وفاروق الباز ورشدي سعيد ومحمد أبو الغار ومحمد غنيم ومجدي يعقوب وابراهيم بدران ومصطفى السيد على أن تضم في عضويتها الموسعة كل الخبرات العلمية المصرية في مصر وفي الخارج. وتشرف هذه اللجنة على التخطيط والتمويل والتنفيذ لبرامجها

- اعلان نوايا الحكومة فيما يخص تنفيذ حكم القضاء الخاص بالحد الأدنى للأجور، واعلان الحد الأقصى للأجور في مصربما لايتجاوز 18 ضعفا للحد الأدنى بأي حال من الأحوال

- احترام آلام الشعب ومطالبه من قبل الحكومة، والتعامل باستقامة وجدية مع مطالب العمال والفلاحين وباقي فئات الشعب، بدراسة المطالب وتقديم اجابة عادلة لها. ومن الممكن تعيين وزير تكون مهمته التعامل مع النضال المطلبي لقطاعات الشعب المختلفة، ونشر نتائج عمله على الشعب

           لقد توقعنا من المستشار البشري أن يكون صوتا للشعب كما كان على مدى الزمن وأن ينصح المجلس العسكري بخطأ خطته وبطلان قراره في اجراء تعديلات على دستور باطل لم يقره الشعب يوما، وعانى من مصطنعيه وحكامه الطغاة وآثاره المشئومة طيلة 40 سنة. وأن يوضح كذلك للمجلس العسكري أن واجبه الوطني هو أن يحسن أداء هذه المهمات التاريخية على أتم وجه، وأن يكون سباقا في ايجاد الحلول والاختيارات والظروف التي تذلل العقبات أمام أهداف ثورة الشعب المصري، وأن حجة ضيق الوقت كانت هي نفس حجة مبارك وعمر سليمان في فرض هذه التعديلات البائسة نفسها، فلا معنى على الاطلاق أن يحدد المجلس العسكري لنفسه مدة قسرية، لاتصلح لصنع التاريخ ولا تكفي لميلاد طفل، ليعود الجيش الى الثكنات، فيفرض على الشعب أن يقبل بدستور باطل وتعديلات باطلة وخطة ضارة بأهداف الثورة الأساسية في ارساء اسس وطن ديمقراطي حر ودولة ديمقراطية تقوم على أنقاض النظام الفاسد بما فيه رئيسه وحكومته ودستوره وبوليسه ورجاله واعلامه... كثمرة حلال مستحقة لثورة كبرى اختمرت في ضمير الأمة منذ قرون. والجيش بعد انهياره سنة 1967 قد احتاج لسنوات طوال والوطن تحت الاحتلال ليجهز قواه لحرب التحرير واقتحام القناة. نحن نريد بالضبط مايكفي من الوقت وليس أكثر، فنظم مبارك وسلفه قد أدت الى انهيار قوى الوطن، وجاءت الثورة كما تجيء الأحلام وكما تجيء المعجزات فأعلنت أن الوطن مازال حيا وأنه قادر على أن يجهز قواه لتحرير مصر من احتلال أنظمة فاسدة سحقته لمدة 40 سنة بكاملها. فمن يمكنه أن يقول لنا جهزوا قواتكم للتحرير خلال 6 أشهر؟ هل يبدو هذا معقولا بعد دمار عشرات السنين؟ هل تبغون أن تجهضوا جنين مصر وأملها؟

       ومن المؤسف أن المستشار البشري قد جانبه التوفيق بقبوله هذه المهمة فعزز قرار المجلس العسكري الذي جانبه التوفيق وشابه البطلان ووقف في وجه ارادة الشعب. ولو أنه اعتذر عن هذه المهمة لأدرك المجلس العسكري الخطأ وصحح مساره.

ثم ان المستشار البشري شرع في اتهام قوى الثورة بأنها تنادي بالديمقراطية لكنها تخاف منها. ونحن نأسف لذلك كذلك. فقوى الثورة مثلما لاتخشى من ديكتاتورية عسكرية، فهي بالأحرى لاتخشى ما ناضلت من أجله: الحرية. هاهنا خلط نرجو ألا يكون متعمدا.  قوى الثورة قامت لتدك أسس الديكتاتورية والدولة البوليسية وعصابات الأوليجاركية الحاكمة والمتحالفة مع العصابات الحاكمة في المنطقة العربية والمتحالفة كذلك مع أسوأ البؤر الصهيونية وأشدها عداء لنهوض مصر من سباتها ودمارها، وكذلك قامت الثورة لتنظف مصرمن الأعشاب الطفيلية التي نمت على مستنقعات عصور الفساد والتبعية والانهيار الوطني، وأعني قوى التخلف السياسي والاجتماعي باسم الاسلام أو باسم المسيحية في مصر كما في المنطقة العربية.

و كان على الثورة بعد أن أطاحت بالديكتاتور ثم بحكومة شفيق المعادية للثورة ثم نضالها الذي أدى حتى الآن الى مجرد حصار جهاز امن الدولة، كان عليها أن تتقدم لتطيح بالدستور العاهرلأنور السادات وحسني وجمال مبارك.  فهودستور باطل للأسباب التى سبق وعددناها. وكان على الثورة أن تشرع على الفور في بناء أسس الديمقراطية في مصر والتي تعني اقرار الشعب لدستور جديد واقرار قوانين تطلق الحريات السياسية والعامة. بدون الدستور الجديد للحرية وبدون قوانين اطلاق الحريات فان الديمقراطية تكون وهما وتكون مهزلة رخيصة. ونحن ماثرنا لنقبل الأوهام والمهازل بعد اليوم في أرضنا. لقد عشنا أوهاما ومهازل باسم الديمقراطية حتى أوشكت مصر أن تموت وتجف ينابيعها ويجف نهرها. هل يختلف أحد على أن أسس الديمقراطية في الوضع السياسي المصري الراهن تتلخص في دستور جديد وقوانين اطلاق الحريات؟ وبدون أن تحقق الثورة ذلك فليست هناك من ديمقراطية ولا حرية. هناك فحسب هزل ومسرحيات وخداع للشعب وللدم.

المستشار البشري ذكر مايلي بالحرف الواحد في حديثه الى جريدة الشروق يوم 4 مارس 2011:
 " نحن نجري تعديلات على دستور بنيت هياكله الأساسية على أن السلطة في مصر ذات محور أساسي واحد تقريبا هو رئيس الجمهورية"  
ثم يذكر البشري  " ...العمال والفلاحون ومجلس الشورى اذا أسقطناهم من الدستور القائم نكون تعرضنا الى هيكل الدستور"
ويستأنف في ردوده قائلا "قلت من قبل اننا نعدل بعض أحكام الدستور القائم" ...
ويرد على سؤال آخر" ... مع هذه الثورة يجب أن يوضع دستور جديد وكل التعديلات التي وضعناها هي لفترة مؤقتة انتقالية بين عهدين ونظامين ودستورين"          

اذا ترجمنا هذا الكلام فلن يختلف معنا المستشار البشري في قراءته بالطريقة التالية وعلى لسانه في جميع الأحوال:
" الدستور بنيت هياكله الأساسية لتصنع ديكتاتورا وطاغية ... ونحن لا نريد التعرض لهيكل الدستور ... واننا نعدل بعض أحكام الدستور القائم ... والتعديلات هي لفترة مؤقتة انتقالية بين عهدين ونظامين ودستورين ... مع هذه الثورة يجب أن يوضع دستور جديد"
يا اله السموات. كلمات قليلة بالغة الدلالة على فساد وانهيار مسألة التعديلات كلها على بعضها.
فالرجل يراه دستورا قائما. وهو في الواقع دستور باطل " غير قائم بالمرة" منذ عام 1971. وتأكد بطلانه على مدى الزمن. كان دائما قائما من وجهة نظر الديكتاتور ونظامه، وباطلا من وجهة نظر الشعب. لكن حتى الديكتاتور أسقط دستوره بنفسه وهو يرحل الى شرم الشيخ عندما استخدم تلك الكلمات الغريبة التي أرسل بها عمر سليمان ليقول أنه "تخلى" عن منصبه ، فليس في دستور الديكتاتور شيء من ذلك العبث،  من نوع "تخلي" الرئيس، رغم أنه دستور ونظام كله عبث، وكيف بعد ان تخلى الرئيس عن منصبه ولم يعد رئيسا يمكنه أن يكلف المجلس الأعلى بادارة شئون البلاد؟ أو يمكنه أن يكلف أي أحد بأي شيء؟ حتى مبارك اعترف ببطلان دستوره وسقوطه حينما لم يترك الأمر يؤول لفتحي سرور ليدير شئون البلاد كما ينص الدستور!  أما من وجهة نظر الثورة وارادة الشعب التي تجلت في الثورة فهو الف باطل. انه أمر منته تماما، انه مثل مبارك وشفيق وأمن الدولة وباقي الروث، كلها في مزبلة التاريخ.
والمستشار لايريد أن يتعرض لهيكل الدستور الذي طالما صنع الطغاة وأذل مصر ... فلماذا ياسيدي لاتفرم هذا الهيكل الفظيع بربك وقد واتتك الفرصة؟ ويكون رده: " لأننا نعدل "بعض" أحكام الدستور" ولماذا ياسيدي بعض الأحكام؟ لماذا بعضها فحسب؟ ألا نستحق شيئا أكثر من ذلك بعد كل هذا الغاز والرصاص المطاطي وغير المطاطي وتلسكوبات الليزر والسيوف والخيل والجمال وشفيق ؟ فيرد المستشار: "مع هذه الثورة يجب أن يوضع دستور جديد" شكرا سيدي المستشار!. لكن لماذا اذا نعدل الأحكام ونستفتي الناس على جيفة ميتة؟ فيرد علينا ردا لاعلاقة له بالسؤال: " التعديلات هي لفترة مؤقتة انتقالية بين عهدين ونظامين ودستورين" . ولماذا ياسيدي هذه الفترة المؤقتة الانتقالية؟ من الذي خلق هذا المفصل الصناعي المؤذي في جسد الثورة ومسارها؟ كوبري لالزوم له. مثل كوبري التحرير الذي بناه عثمان أيام السادات ثم أزالوه لحسن الحظ. ودفع الشعب المسكين كل فواتير الانشاء وكل فواتير ازالة الكوبري الشائه الفظيع القبيح الذي لم يكن له اي لزوم. من قال أنه يجب أن تكون هناك محطة ترانزيت بين عهدين ونظامين ودستورين؟ لقد سقط مبارك وشفيق وامن الدولة (كما قال اللواء العيسوي) والدستور والمجالس المزورة وتدفق رجال مبارك على النائب العام وعلى مصلحة السجون، ويبدو الأمر بهذا الشكل باعثا على التفاؤل.

ففي مصر اليوم قوتان كبيرتان: الثورة والجيش. أي أن العهد يصبح عهد الثورة وحدها، عهد واحد وليس عهدين، والنظام يصبح نظام الثورة وحدها، نظام واحد وليس نظامين، والدستور يجب أن يكون دستور الثورة وحدها، دستور الثورة وليس دستورين. فلماذا كل هذا الازدواج المفترض على غير أساس؟ والغرام بثنائيات لاوجود لها على الأرض؟ أنتم انما تبعثون عهدا انقضى ونظاما سقط ودستورا مات منذ أربعين سنة، ودفنته الثورة منذ أسابيع. والآمر هكذا فمصر لاتحتاج الى هذا "الفاصل .. ونواصل" على طريقة مروجي الاعلانات! وانما نحتاج فقط أن نواصل! قدما الى الأمام بلا مرد، لنصيغ دستور الحرية و قوانين الحريات، ولنعد بلادنا للديمقراطية والتقدم، للمجد والنور.

وحين تستعد بلادنا للديمقراطية وتتيح أدواتها الأساسية والضرورية، فان "المتخلفين المسلمين" سوف يظهرون على حقيقتهم، وسيلفظهم الشعب في صناديق الاقتراع كما في حياته الاجتماعية والسياسية. هذا التيار للتخلف السياسي والاجتماعي والثقافي باسم الاسلام أوباسم المسيحية، لم يكن لديه ابدا مشروعا مخلصا للمستقبل، لديه فحسب مشروع غبي منافق  للماضي. والشعب المصري قد حسم امره أخيرا، واختار مشروعه للمستقبل، باسم الوطن والوطنية والحرية. وميدان التحرير ظل شاهدا على ذلك. ونقسم بالوطن أنه سيظل شاهدا ووفيا لشهدائه.

الشعب المصري عانى الفقر والجوع وربط الأحزمة على البطون ولم يجد الخبز والماء والملح في ظل الذل والانكسار والنهب الذي فرضته عليه الأنظمة الساقطة. واليوم يقول الشعب لجيشه ألا يحزن وألا يخشى شيئا أو ضغوطا من أي كان على سطح الأرض. الشعب المصري سيقتسم كسرة الخبز ويربط الأحزمة على البطون في ظل الكرامة والعزة التي استردها بثورته، ولن ينحني أبدا لا هو ولا جيشه أمام أي ضغوط. سوف نصمد، ونبني وطننا وانا لغالبون.

ندعو الشعب المصري، أن يسقط التعديلات مع دستورها المذل المهين في استفتاء السبت 19 مارس 2011. وليكن يوما كبيرا آخر في حياة الوطن المفدى. يوما له مابعده!

عاش كفاح الشعب المصري من أجل الحرية والتقدم وبناء الوطن
المجد للثورة
المجد للشهداء

مارس 15، 2011

الأسواني: مدفعجي الثورة، وحامل قناني الدم!



في مستهل حرب أكتوبر 1973، وفي الدقائق الأولى، رحل الذل من الجبهة، وقصفت رعود مدافع جيش مصر. أكثر من 1000 مدفع ثقيل تكلمت معا في صوت واحد، في لحن واحد للبطولة والرجولة المصرية، لتقتلع العدو الدنس من أرضنا.
وفي القاهرة الثائرة، وفي مارس 2011، أطلق الكاتب المصري علاء الأسواني 1000 مدفع ليقتلع اللورد ،الذي تولى رئاسة عصابة العدو الداخلي الدنس، من القاهرة، عاصمة الثورة.
كانت ليلة عظيمة أخرى من ليالي القاهرة والثورة.

قدم الشعب طابورا من شهداء الحرية ثم غنى: ارفع رأسك فوق، أنت مصري! لكل مصري أن يرفع رأسه الى الأبد، وأن يودع عبوديته، وأن يتخلص من الذلة والمسكنة، الى الأبد. الى الأبد.

فللانعتاق من العبودية ثمن يليق بالحرية والأحرار، ثمن من دم. وقد قدمه الثوار على المتاريس بسخاء. لن تمح أبد الدهر من عيون المصريين ولا من ذاكرة الوطن هذه الصور الباسمة للملائكة الذين قدموا دمهم قربانا لحرية الشعب المصري كله. ودماؤهم دين في ضمائرنا جميعا، نحن الشعب المصري. سداد الدين: أن نكون أحرارا. أن نمحو العبودية والذلة والمسكنة والخزي والعار من كل نفس ومن كل شبر في أرض الوطن.

 فليسأل كل مصري نفسه: أعبد هو أم حر؟ ماذا فعل ليكون حرا؟ ولماذا يقبل بخنوع العبد أو أشباه العبيد بعد اليوم؟ عبد لاشفاء له، كل من لم تحرك كرامته وعقله كل هذي الدماء، وكل هذه الجرائم من الحكام وعصاباتهم.  في مصر بركان ينادي بالحرية، وبعض الناس لايشعرون ولا يفهمون ويتصنعون الغباء وينافقون أنفسهم ويخدعون أنفسهم. المنافق عبد، وبليد الاحساس عبد، ومن استمرأ خوف السلطان عبد، ومن يحترم الحاكم المجرم السارق عبد، والخائف عبد، والكاذب عبد، ومن لايفكر عبد، ومن يخضع عواطفه لعدوه وجلاديه وسارقيه وقاتليه وخادعيه عبد، ومن لاينصر الثورة عبد.

في مصر الآن أصبح الأمر واضحا وحاسما. فهناك ملايين الناس من الشعب المصري الثائر من أجل الحرية وبناء وطن جديد نظيف مزدهر، وهناك أعداء الشعب، أعداء الحرية، أعداء المستقبل. فأين أنت يا أخي؟ هناك الثورة والأمل، وهناك أعداء الثورة والأمل: فانظر ماذا ترى؟ لامجال للمساومة ولا للحلول الوسط. أنت اما مع نفسك وشعبك، واما مع أعدائك وأعداء شعبك. هذا زمن تحسم فيه المصائر. ولتذكر في كل لحظة أن دين دم غال يسكن في ضميرك، فلا تحب أن تكون خائنا لدم اخوتك.

 الكاتب المصري علاء الأسواني شعر بمجد الدم وندائه كما لم يشعر أحد، فانحنى ليملأ مئات القناني، ملأها بالدم الذي فاض على طرقات المدن، تلك القناني التي صنعتها مصر من بلورات عيونها، وغسلتها بدموع شعبها، ملأها ـ وكانت أيادي الملايين هناك ـ بالدم العزيز لشهداء الوطن، وحمل قناني الدم ومضى ليلقى رئيس القتلة. وكأنه ايزيس تلملم قطرات اوزيريس فيبعث حيا، ليكمل النضال ضد الشرالذي أظلم الوادي.  احتضن الأسواني مدافعه وقنانيه المقدسة وذهب للنزال تحت عيون مصر الحانية والمصممة. متحدثا بليغا هادرا باسم الدم المصري. بصوت الرجال، وهيئة جنود جيش مصر،  الشجعان، السمر.

اللورد  أحمد محمد شفيق أصبح رئيس القتلة. اختاره أكبر لص وسافك للدم في تاريخ حكام مصر قاطبة ـ محمد حسني مبارك ـ ليكون مع عمر سليمان رأسي الحربة في خطته لسحق ثورة الشعب.  هل فكر أحد لماذا اختار حسني مبارك هذا الرجل بالذات في هذه اللحظة من لحظات شؤمه وانهياره؟  مبارك المسعور المرتعد كان يحارب معركة البقاء الأخيرة، ويستجدي ستة أشهر أخرى، ويحشد "خيرة" رجاله لمعركة بقائه هو، وافناء مصر. كان اسم أحمد شفيق على رأس من خطروا بذهن مبارك الاجرامي لهذه المهمة المشئومة.فلماذا؟

 كان مبارك ووريثه على استعداد لدفع مصر بحالها الى الهاوية من أجل انقاذ حياة حكمه. كانا قد جنا فعليا. ولكي يحقق مبارك هدفه المشئوم فقد كان عليه:
1 ـ  أن ينشىء هيئة أركان حرب مصغرة عاجلة لمعركة انقاذ حكمه: ونظن أنها قد تشكلت على الفور من مبارك الأب والأبن وعمر سليمان وأحمد شفيق (وكان مبارك يعمل على أن يكون المشير طنطاوي ضمن هذه الهيئة المشئومة للحرب على الشعب، الا أن القائد العام للجيش المصري أخذ يباعد نفسه بالتدريج وبحذر عن خطة مبارك لسحق الثورة باستخدام الجيش. واذا لم يشرح لنا المشير طنطاوي حقائق ووقائع تلك الأيام الثمانية عشرة فربما يكون علينا أن ننتظر ظهور جوليان أسانج جديدا على مسرح التاريخ ليقدم لنا "ويكيليكس" تلك الفترة العصيبة من تاريخ مصر، لكننا مازلنا نسأل المشير طنطاوي، ابن العسكرية المصرية، أن يكمل تاريخه، وأن يروي لنا الملحمة بنفسه!)
2ـ أن يضمن الولاء التام للقوات الجوية والجيش والحرس الجمهوري وبما يضمن له تحريك قواتهم لتنفيذ أوامر هيئته المصغرة في ارهاب الثوار وسفك دمائهم (وهنا فقد راهن مبارك على دور لشفيق بالذات، وعلى امكانية تأثيره على القوات الجوية، وقد  نجح شفيق على مدى سنوات طوال في استيعاب العديد من عناصر القوات الجوية في شبكة الفساد التي أتاحها مبارك وشفيق لهم في قطاع الطيران المدني وغيره، مما ستكشف عنه الأيام المقبلة، ونظن أن الظهور الاستعراضي الغريب المفاجىء لطائرات سلاح الجو المقاتلة القاذفة فوق ميدان التحريريوم 30 يناير وهي تمرق على ارتفاع منخفض وتصم آذان الثوار، وبما لايعني غير رسالة مشينة من سلاح الجو المصري لارهاب الشعب الثائر، كان له علاقة بنجاح اختراق خاص لمحور مبارك - أحمد شفيق في توريط لسلاح الطيران لايتماشى مع الموقف الحذر المترقب الذي اتخذه الجيش عموما، ومن الواضح أن الجيش قد اتخذ الاحتياطات اللازمة ونجح في السيطرة على سلاح الطيران بعيدا عن عبث شفيق وشركائه، كما أنه من غير المعروف ما اذا كان مبارك قد تمكن من زج شفيق في عضوية المجلس الأعلى العسكري ليحقق له السيطرة أو الانقسام داخل المجلس العسكري. وقد استطاع مبارك أن يظهرفي يوم 30 يناير في اجتماع في مركز قيادة العمليات للقوات المسلحة وهو محاط بالقائد العام ورئيس الأركان ونائب مبارك المنكود عمر سليمان وعدد من قادة القوات المسلحة)
3 ـ تحريك عصابات أمن الدولة في كل اتجاهات العنف والاغتيال والخطف والاعتقال وادارة أنشطة عصابات رجال الأعمال وتوجيه عملائهم في كل جهاز الاعلام في الحملات ضد الثورة وفي ترويج الشائعات وفي تخويف وافزاع الجموع الصامتة من أعمال العنف والسلب وتوجيه العملاء في قطاع الفن وأندية كرة القدم وحشد مظاهرات لتأييد مبارك ودفع عملائهم في الكنيسة وفي الأزهر وفي مجالات مايسمى بالدعاة الدينيين الجدد والتحريض على النزاعات الدينية واستخدام الانترنت... الخ (وهنا فان دور أحمد شفيق كان أساسيا في توجيه العمليات الاجرامية لعصابات أمن الدولة يشاركه مبارك الابن ومحمود وجدي وصفوت الشريف وفتحي سرور وزكريا عزمي وعمر سليمان. واستمر هذا الدور لشفيق بعد الاطاحة بمبارك وحتى تمت الاطاحة بشفيق نفسه. وهنا يجب مساءلة شفيق ومحاسبته عن مسئوليته عن اجرام عمليات جهاز أمن الدولة منذ 29 يناير وحتى 3 مارس 2011)
4 ـ استرضاء الولايات المتحدة (وهنا أيضا فان مبارك قد حاول استرضاء الولايات المتحدة بدفع وجوه مرضية لأمريكا ومطمئنة لها وهكذا جرى دفع شفيق للواجهة بالاضافة الى عمر سليمان)

هكذا ظهر شفيق ليلعب دور رئيس الحكومة وليخدم خطة مبارك لانقاذ رقبته على محاورها الأربعة الأساسية جميعا. مبارك يثق في ولاء شفيق له بما أنه عضو شديد الفساد في نظامه بما لايجعل له أي أمل في دور خارج عصابة مبارك. والواقع أن شفيق قد أخلص لزعيمه ولأستاذه وولي نعمته لأن نظام مبارك الأب ومبارك الابن هو مايمثل قناعته و"ثقافته" ومصالحه بالكامل.

 حين تلا القائد العسكري المحترم محسن الفنجري بيان المجلس العسكري وفاجأنا باللفتة النبيلة المؤثرة التي تليق بالجيش المصري وهو يرسي تقاليده في زمن الثورة، وقام بهذه التحية العسكرية المهيبة المفعمة بالصدق لشهداء الوطن، فاننا صدقناه جميعا ورفعنا أيدينا لنحيي الصدق وحرمة الدم المصري الذي وحدنا شعبا وجيشا في معاركنا مع الأعداء الغزاة على حدود الوطن، كما هو الحال في معركتنا ضد أعداء الشعب في مدننا وقرانا.
     
اللورد شفيق لم يشعرنا على الاطلاق أنه انتمى ذات يوم الى نفس جيش مصر الذي ينتمي اليه الجندي المصري المحترم محسن الفنجري. فبعد الليلة التي حبس فيها العالم أنفاسه وهو يرى بسالة الثوار العزل في ميدان التحرير وهم يصدون هجمات عصابات أمن الدولة التي تتم بالمعرفة الكاملة للسيد رئيس الوزراء، ويقدمون طوابير لاتنتهي من الشهداء والجرحى يخرج شفيق ليعتذر! خسة لامثيل لها: أن تقتل ثم تذهب للعزاء في جنازة من أصابهم غدرك! وتتواصل الجريمة في عز الظهر وتهجم الحيوانات على أجمل شباب وبنات مصر، ويخرج شفيق ليكذب ويقول: لا أعرف من فعل هذا! وأتعهد أن ذلك لن يتكرر. وتتكرر الجريمة، وبعلم شفيق. ويخرج علينا من أدمنوا العبودية للحاكم ليقولوا: والله هذا رئيس وزراء من نوع جديد، انه رئيس وزراء يعتذر! أيها الغافلون، انه يقتلكم ويعتذر، ويقتلكم مرة أخرى ومرات، ويعتذر! يضع حذاءه فوق أقفيتكم وجماجمكم، ويعتذر. والدم المسفوح الذي فاض في الطرقات والميادين والعيون المفقوءة وجماجم وصدور شباب مصر التي اخترقها الرصاص الغادر والحجارة المسنونة والسيوف، كل ذلك يكافىء لديكم اعتذارا كاذبا من هذا الرجل؟ تبا لكم من عبيد! لقد رأى الملايين لأيام وليال مذابح الثوار المسالمين على شاشات التلفزيونات غير المصرية، بينما تليفزيون رئيس الوزراء وصحافته يلوثون شرف الثوار، ويحرضون على قتلهم. أي أن القتل قتلان: قتل بالرصاص، وقتل بحملات الافتراء والتشهير وتلويث شرف الثورة والثوار بالأكاذيب. الشعب المصري يدفع من عرقه ودمه وفقره ودموعه الأموال التي ينهبها شفيق وينفقها على وزرائه وعلى جهاز أمن الدولة وعلى أجهزة اعلامه النجس، فيقتلون الشعب بأمواله ويغتالون شرفه وثورته وكرامته، وينعق شفيق مثل بومة: ارجعوا الى أعمالكم، الطعام سينفد سريعا، وأجوركم لن تحصلوا عليها! هلا قال لنا كم دفع الشعب من أموال لأجهزة البوليس وأمن الدولة وأجهزة الاعلام وكبار موظفي الدولة  منذ يوم 25 يناير فحسب؟ نحن الذين نطعمكم ياسيد شفيق! نطعمكم الشهد، أما أنتم فتطلقون علينا النار، وتطلقون علينا تليفزيون أنس الفقي، وكل عصابات الكتبة في صحفكم النجسة. شفيق يعتذر، لكنه لايقدم اسما واحدا للعدالة من القتلة! يعتذر، لكنه لايقدم استقالته،  حتى بعد أن سمع نفس نداء الملايين الذي أطاح بسيده: ارحل ياشفيق!     
لقد ذكر شفيق وقتها أنه يراقب ثوار ميدان التحرير وأن "رجالته" هناك، وأنه يرى الثوار في مكتبه بالصوت والصورة وكأنه معهم! أي أن جهاز أمن الدولة في كامل لياقته في خدمة شفيق وفي أداء كافة عملياته القذرة، ورغم ذلك فان شفيق لايعرف من الذي يسفك دم الثوار في التحرير وفي كل المدن الثائرة!

ان شفيق يعرف المجرمين، ويحمي المجرمين القتلة. لابد لمصر أن تحاسب شفيق جنائيا على كل العمليات القذرة التي جرت على قدم وساق طيلة فترة رئاسته للحكومة. شفيق مسئول عن القتل والجريمة. لقد قتل شباب مصر. شفيق تآمر ويجب أن يكشف تآمره.
  
نحن لانصدقك يا أحمد شفيق. أنت كاذب وتتستر على القتلة، وتحمي القتلة. ولابد أن تخضع لسيف العدالة.

ذهب الأسواني ليلقى شفيقا وقلبه يتقد بالغضب المقدس الذي يشعر به كل شريف وحي ومكلوم على أرض مصر.  لقد ذهب في الواقع لمحاكمة أحمد شفيق أمام الشعب. وليبلغه أن عليه أن يرحل.

في بداية الجلسة على الهواء، سأل الأستاذ يسري فودة – أحد مقدمي البرنامج – أحمد شفيق سؤالا عميق المغزى ومباشرا: "سمعنا من الفريق شفيق أنه يتبنى ثورة مصر التي بدأت بنواة شباب مصر ثم  شملت قطاعات مصر من أقصاها الى أقصاها. أريد أن اسأل: هل هو فعلا من داخله يريد لهذه الثورة أن تبلغ ماتطالب به حقا، مطلبا مطلبا، حتى تنتقل مصر الى عهد حقيقي جديد؟"

أجاب شفيق: "الثورة تعني تطور مصر، يبقى وأنا مغمض لازم أكون ثورة، تطور مصر، ماتحتاجه مصر، مؤكدا يعني"

هذه بالنص طريقة رئيس الوزراء في الكلام، ومعرفته بالألفاظ والمعاني واللغة العربية أو العامية، ، ومدى علاقته بالفكر والثقافة والفهم، هؤلاء الناس يذكروننا بالمرحوم يونس شلبي وبالانزعاج الشديد لسعيد صالح وهو يتمنى سماع جملة مفيدة، والأهم من كل ذلك طريقته في الكذب المفضوح. شفيق في هذه المبارزة يعلن "وأنا مغمض لازم أكون ثورة"

 عجبا أيها الفريق السابق! وماذا يكون الأمر "وأنت مفتح" ياسيد شفيق؟ اجابة شفيق "وهو مفتح" رأيناها على الهواء من قناة السيد البدوي في مقابلته مع اثنين من موظفي البدوي بالتحديد في يوم ثلاثاء الغضب 1 فبراير 2011، قبل 10 أيام من طرد مبارك، وقبل 30 يوما من سقوط شفيق النهائي أمام منطق الأسواني الصارم.
قال المذيع لشفيق: "نودي بجمعية وطنية لاعادة صياغة الدستور المصري".
قاطعه شفيق متعجرفا ساخرا وهو يقول:"أنا باسأل سؤال ... ايه الحاجات الثورية دي يعني؟ طيب ماينادي بقى بثورة." وبادره المذيع الشاب: وماذا تسمي مايحدث في ميدان التحرير ومحافظات مصر الآن؟
فأجاب السيد رئيس وزراء مصر بارتباك وهو يبذل قصارى جهده البائس كي يبدو مثقفا: " تعبير حاد عن الرأي العام في شكل جماعي .. انت عايز تسميه ثورة .. مش ثورة طبعا... لا .. لا .. مش ثورة طبعا .. مش ثورة ..ثورة يعني على غير ارادتك باجيبك باشيلك باحط ده هنا باجيب ده هنا وبااعين ده هنا وباطرد ده .. دي ثورة.. الشعب 100 الف واحد 200 الف واحد .. أيا كان العدد .. بيعبروا عن رأيهم أو رأي آخرين .." هذا ماقال شفيق في اليوم الثامن للثورة.
تعريف الدكتور شفيق للثورة هو فتح في مجال علم الاجتماع وعلم التاريخ، وعلم سقوط الأنظمة والحكام.

بعد 30 يوما قال شفيق انه "وهو مغمض لازم يكون ثورة. مؤكدا يعني" رغم انها "مش ثورة طبعا". من يكون هذا الرجل؟ من اين أتى هؤلاء الناس الينا؟ أهؤلاء حكمونا؟ ويريدون أن يستمروا في حكمنا؟

يبدو أن الثورة عند شفيق هي فحسب ماقالوه له وهو طفل في مدارس الجيزويت. المقصلة. قطع الرقاب وبحور الدم. غير ذلك، فهي لعب عيال. هايد بارك وبون بون يطلبه شفيق للهايدباركيين من القائد العام للقوات المسلحة. ولا ندري كيف استمع الرجل الجالس في رئاسة المجلس العسكري لهذا الهزل من رجل في السبعين من عمره  ثم أصر أن يستبقيه رئيسا للوزراء لمدة 20 يوما كاملة، منذ يوم سقوط القائد الأعلى، وحتى غداة مبارزة الأسواني؟ استبقاه القائد العام رغم كل نصائحنا واحتجاجنا لديه ولدى المجلس العسكري، أن أزيحوا عنا هذا الرجل وحكومته، انه يشبه تماما مبارك وعمر سليمان، نفس الغباء، نفس الجهل والعجرفة والادعاء، نفس احتراف الكذب وعداء الشعب واحتقاره.  

في 1 فبراير على قناة الحياة شاهدنا وسمعنا مايلي من تصريحات شفيق و"هو مفتح" قبل أن تعميه الثورة، ويكمل الأسواني على حواسه كلها:

"في تشكيل الوزارة، منهجي اللي تلقيت به تلقين واضح من السيد الرئيس: رجال الأعمال، طبيعة ظروفهم، لم نر حاليا انه نموذجي انو رجل أعمال مسئول في شغله ويمارس العمل العام. الاخوة رجال الأعمال مهما كانوا أنجزوا، يمكن لو ماكانوش مشغولين بأعمالهم كان الانجاز حيبقى أكبر."

"أقسم لك بالله، أنا لاأعرف اذا كان وزير الاعلام رجل أعمال ولا لأ."

"أحمد زكي بدر رجل غاية في النزاهة والأمانة والاخلاص، لكن طبيعته فيها شىء من الحدة ... أمانة واخلاص 10 على 10. أمانة مطلقة ومفيش أغراض. ... محتاج أقعد على ايده سنة لما أظبطه في الناحية دي" ... "أقسم لك بالله أحمد زكي بدر انسان نقي جدا وعلى علم، وكويس جدا، لكن ماعندوش ملكة التعامل مع الناس، فأنا با أصالح الناس رحت مستبعد زكي بدر"

"عيشة عبد الهادي أنا أقرب ليها وشايف اذا هي سبب الاعتصام ولا فك الاعتصام..أنا اللي أحسها أكتر من الناس"

"سامح فهمي ايده مغلولة، الأسعار تزيد في العالم ... وتضاف أعباء على وزارته ... الراجل عامل أداء وكله" (تجاهل شفيق تماما سؤال المذيعة عن مسئولية سامح فهمي في صفقة الغاز مع اسرائيل، وكأنه لم يسمعها. بعد أيام أطاحت الثورة "اللي مش ثورة طبعا" بسامح فهمي، ووجد سامح نفسه أمام النائب العام ضمن طابور من زملائه، وهناك اعترف بأن مافعله في شأن غاز سيناء المصري انما تم في اطاراتفاقية كامب دافيد بملحقها الثالث)  

"أحمد ابو الغيط رجل مصري للنخاع ... أحمد أبو الغيط دائما مصر مصر مصر مصر. مفيش حد آل مصر مصر في صيغة حديثه أكتر من أبو الغيط"

 سأله المذيع عما اذا كان ممكنا في اطار حكومة وحدة وطنية أن يستعين بوزير من خارج الحزب الوطني؟
أجاب شفيق: " المنهج ده مش معمول بيه في العالم ... ياتعمل حكومة ائتلافية بقرار واضح المعالم لأن مفيش حزب لوحده نسبته تشكل حكومة ... من غير المنطقي عمل حكومة متخلطة بنسبة ما وانت عندك..." ولم يكمل الجملة!

فسأله: مارأيك في مطلب اعلان الرئيس مبارك عدم دخول الانتخابات الرئاسية المقبلة؟
أجاب شفيق: " ... مش من حق حد انو يحجب على حد في ترشيح نفسه ... انت مالك ... اتركني للترشيح وقول لأ.
سألته المذيعة: هل ينطبق هذا على السيد جمال مبارك؟
أجاب: على أي حد! هذه أمور الحماس يسيطر عليها ومش حق ولا منطق ... مفيش في الدستور انه قرابة من درجة كذا مايرشحش نفسه بعديها ... مش وارد ... لما فلان يترشح قولي آه أو قولي لأ  وخلاص ... احنا بنتكلم دستور بقى ... والله ما أقصد سين أو صاد أو ده أو ده ... عشان نبقى مثقفين .. ونكون بنتصرف حضاري ... أنا موش عايز كروس (شطب) .. عايز صح.."
قال المذيع أنه تلقى خبرا عاجلا يقول أن مبارك سيتحدث بعد ساعات معلنا عن تنازلات جديدة؟
علق شفيق: "تسمية تنازلات دي لاأحبها"
يقال أنه سيعلن عدم ترشحه مرة أخرى للرئاسة؟
أجاب: "والله لاأعرف ... وحضرتك لا يمكنك أن تقول لأحد لا ترشح نفسك ... ما تنتخبوش"
كم في المائة اخترت من الوزراء؟
"95 في المائة وال 5 في المائة لو خيرت لاخترتهم "
هل عرضت الوزارة على رشيد وغالي؟
"أتحفظ في الرد"
من الذي اختار وزير الداخلية؟
" أنا "
وقد سأله المذيعان كذلك عن أمور أخرى من بينها البطالة وحكم المحكمة بفرض حد أدنى للجور وعن امكانية دفع اعانة بطالة وعن بيان حكومته وعن حل مجلس الشعب، وبوسع القارىء ان اراد أن يعود الى التسجيل الكامل على يوتيوب ليجد ان اجابة شفيق على كل هذه الأسئلة كانت: لا أعرف!

نحن اذا أمام رجل كأنه صنع بطريقة استنساخ النعجة دوللي من مبارك. مبارك مستنسخ على هيئة شفيق. رجل يتحدث عن نخاع أبي الغيط، وتفكيك عيشة للاعتصامات، ونقاء زكي بدر، وتلقين مبارك له، وسامح المغلول، وحق ومنطق ودستورية ترشيح مبارك وترشيح ابن مبارك للرئاسة، ويتهكم على الثورة ويعاديها، ويعلن أن الحزب الوطني حزب اغلبية ولا يحتاج لعمل أي ائتلاف فذلك ضد المعمول به في العالم ... الخ

هذا الرجل الكارثة نصبه مبارك رئيسا لوزراء مصر. وهذا مفهوم، فالرجل دائما يأتي برجال على شاكلته ومقاسه. فلما رحل مبارك "كش مات" كان الدور قد انتهى، وسقط معه وزيره وأفياله، فكيف تصور المجلس العسكري أن قطع الشطرنج هذه ليست مجرد جثث للدفن العاجل؟ انتهى عصر مبارك، فهل راى المجلس العسكري في شفيق رجلا لكل العصور؟ وهل رأى شفيق في نفسه بهلوانا لكل العصور؟ رجل بهذه المواصفات والعقلية والانتماء هل يمكنه أن يكابر أو يمكن لأي احد أن يكابر به ويستثنيه من الدفن في مقبرة مبارك؟ كلهم ماتوا وأصبحوا جثثا، فكيف يصر المجلس العسكري على أن يمدد هذه الجثث على وجه مصر الذي يشرق؟

في ليلة القاهرة 2 مارس، شاهدنا المبارزة على قناة اون تي في. بدا الأسواني وهو الكاتب والطبيب المدني كقائد عسكري من جيش مصر النبيل، صلبا وقويا ونبيلا وشجاعا ومقاتلا، بينما بدا شفيق وهو القائد العسكري والطيار السابق، ناعما ورخوا ونصف ثمل، تتكسر اللغة والكلمات على شفتيه، مخادعا ومداورا.

وأتصور أن الأسواني قد أجاد تماما عرض القضايا الأربع التي جاء ينتصر لها:
1 – التقاليد التي يجب أن يحرص عليها الناس في أمور الحكام ومناصب السلطة. وهنا لايمكن للشعب أن يقبل رئيس وزراء ولا أي مسئول يفرض عليه أويخالف ارادته. كما أن شفيق رجل عبر عن نفسه علنا بالقول وبالفعل بما يناقض ويعادي كل مبادىء وتطلعات وأهداف الأمة التي عبرت عنها منذ 25 يناير، وكان عليه أن يرحل من تلقاء نفسه يوم رحيل مبارك.
2 -  مسئولية شفيق في سفك دماء المصريين. فالمصريون قتلوا بالمئات وجرحوا بالآلاف، وشفيق في موقع رئيس الوزراء، دون أن يحاول حمايتهم وأن يتدخل ضد المجرمين والقتلة. كما أنه أهمل اهمالا جسيما ومشبوها في اتخاذ الاجراءات الفعالة لتحديد الجناة وتقديمهم للعدالة العاجلة وبما يطرح شبهة التواطؤ والتآمر من جانب رئيس الوزراء.

3 – مسئولية شفيق عن حماية جهاز أمن الدولة الذي يطالب الشعب بحله، بعد أن تحول على مدى عشرات السنين الى جهاز اجرامي وتخريبي يعمل ضد مصلحة الوطن والشعب، واستمرار حماية رئيس الوزراء لهذا الجهاز تعني مسئوليته عن كل العمليات الاجرامية والقذرة التي مازال الجهاز يقوم بها. وكذلك مسئولية رئيس الوزراء عن استمرار اختفاء وظائف الأمن العام منذ توليه لمنصبه.

4 – أن تقوم العلاقة بين الحكام والشعب على أساس الندية والمساواة والاحترام. وقد قدم الدكتور علاء الأسوني مثلا عمليا في صون الكرامة و في الدفاع ضد كل صور الغطرسة والعجرفة والاهانة والقهر والخداع والمناورة والمداورة التي أبداها شفيق، مما اعتاده الحكام وموظفي السلطة في مصر.

وأود مواصلة شرح هذه الاستنتاجات من تلك المناظرة في وقت لاحق.

مارس 05، 2011

فلسطين


لابد من العودة للحقائق الأساسية للمسألة:
1 ـ فبالنسبة الى الشعب المصري فان أرض فلسطين هي أرض تحت الاحتلال
2 ـ والشعب الفلسطيني المقهورهو شعب تحت الاحتلال، ويعاني الاحتلال منذ عدوان الصهاينة الأول وحتى عدوان عام 1967 الذي التهم كل أرض فلسطين من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط
3 ـ وبالنسبة الى الشعب المصري كما هو الأمر بالنسبة الى المواثيق الدولية وشريعة العدالة والحرية وكذلك بالنسبة الى كل أحرار العالم، فان للشعب الفلسطيني المحتل مطلق الحق في مقاومة الاحتلال لأرضه وشعبه، وبكافة الوسائل
4 ـ وبالنسبة الى الشعب المصري وكل أحرار العالم فان واجبهم هو دعم مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال ، والامتناع عن كل ما من شأنه اضعاف هذه المقاومة
5 ـ وبالنسبة الى الشعب المصري كما هو بالنسبة الى شعوب العالم وقواه الحرة، فان الوقوف في وجه همجية الاحتلال الصهيوني وفي وجه النظام الصهيوني، هو واجب مقدس للدفاع عن مصالحنا وعن أمننا القومي، وللدفاع معا عن السلم في العالم، و للدفاع عن الحضارة ومبادىء العدل

مارس 01، 2011

الأقلام المرتعشة والأستاذ سلامة



من أهداف النظام البوليسي الذي حكم مصر بلا انقطاع منذ حريق القاهرة في 1952، أن يحكم قبضة كل نظم الحكم التي توالت منذ ذلك الزمن على مهنة وصناعة الصحافة وعلى كل أشكال ومؤسسات التعبير والاتصال الجماهيري السياسي والفكري والفني والعلمي والديني: الاذاعة ـ التلفزيون ـ التأليف والنشر ـ السينما ـ المسرح ـ الفنون كلها ـ الأزهر ـ الكنيسة ـ دور العبادة ـ الجامعات ومراكز البحث ـ الأحزاب ـ البرلمان ـ النقابات ـ الاتحادات والجمعيات المدنية ـ التظاهر ـ الاضراب.
استخدم النظام البوليسي في مصر كل الوسائل الشريرة التي عرفها العالم لتحقيق هدف السيطرة الشاملة على كل وسائل ومؤسسات التعبير والاتصال: 1ـ مجموعة هائلة من أسوا القوانين والتشريعات المعادية للحرية في العالم 2ـ تحكم جهاز أمن الدولة البشع في منح ومنع جواز المرور لكل مصري ينشط في هذه المجالات، بما في ذلك استخدام التزوير على أوسع نطاق 3 ـ التأميم وتحول الملكية لتكون ملكية النظام البوليسي 4 ـ فتح سبل النهب من مال الشعب بلا حساب لمن يوالي البوليس والنظام البوليسي 5 ـ الاغراء والتآمر والقهر والضغط على كل مصري ينشط في هذه المجالات لكي يضعف ويكون مواليا صريحا للنظام البوليسي، أو أن عليه أن يواجه العقاب من كل صنف: ضياع حقوقه وما يتناسب مع كفاءته، الاستبعاد، الفصل، التشريد، تلفيق القضايا والاعتقال والتعذيب والسجن، التشهير، التهديد، الخطف، تسليمه لمستشفى الأمراض العقلية، قيام عناصر مجرمة تابعة للبوليس باهانته وضربه علنا.. الخ الى أن يصيبه اليأس أو يتعلم الصمت أو يتعلم لغة العبيد التي يمكن أن ترضي النظام البوليسي وأن يخضع للتوجيهات التي تتفق مع استقرار النظام البوليسي، أو أن يترك البلاد كلها.
عبر نحو 60 سنة متواصلة من حكم الدولة البوليسية في مصر، نجحت هذه السياسة الشيطانية في افساد وتسميم آبار الثقافة والسياسة، الفكر والدين، الفن والعلم، وأنتجت جيشا من عملاء النظام البوليسي، وفيالق من اليائسين والمرتعدين، المشوهين ودعاة الاستقرار بحسن نية: حين يدعون الى الاستقرار والعودة الى مايسمونه الحياة الطبيعية فهم انما يدعون الى استقرار النظام البوليسي وحياة الذل والهوان والعبودية التي اعتادوها، وعودوا الشعب عليها.
أبواق النظام البوليسي في الصحافة والتليفزيون والاذاعات يحذون حذو عمر سليمان وأحمد شفيق وبعض أعضاء المجلس العسكري وما جاء ببعض بياناته ويدعون الى الاستقرار والعودة الى العمل والحياة العادية.  هؤلاء السادة انما هم دعاة الاستقرار في اسطبلات العبيد التي خلقها النظام البوليسي في طول مصر وعرضها. والعودة الى الحياة العادية هي دعوة للعودة الى فوضى وفساد الحياة اليومية في مصر والتي ليس لها مثيل، والتي صنعها هذا النظام الفاسد.
حين يتحدث رجال النظام عن العمل والانتاج يأخذنا العجب من مدى صفاقتهم: هل جعلوا من مصر يوما مجتمعا عاملا ومنتجا؟ حين يقذفون خارج العمل بأكثر من 10 ملايين مصري في بطالة سافرة، ويحتفظون بجهاز دولة من أكثر من 6 ملايين موظف، يتقاضون في قمته المليارات كل شهر، بينما يعمل باقي موظفي الجهاز في استكمال دخولهم الرثة عن طريق الرشاوي، وهم في الواقع صورة من البطالة المقنعة، وحين يقارب عدد العاملين في وزارة البوليس مليونين، وظيفتهم أن يقتلوا الشعب لمدة 48 ساعة ثم يهربون الى أن يأتي الجيش. ماهو الانتاج الذي توقف؟مانعرفه هو أن ملايين الفلاحين المنتجين مازالوا يزرعون ماتبقى من أرض زراعية. ولم يقل لنا هؤلاء السادة اذا ما الذى توقف فيما يسمونه عجلة الانتاج؟ وهل كانت تعمل وتدور وتنتج أصلا؟ ماكان يعمل وربما توقف مؤقتا هو عجلة العمولات والمضاربات والنهب والسلب، وبيع أرض مصر لعصابات النظام، والقروض، وبيع مالايباع مما كان القطاع العام، و البورصة. حسن أن توقف كل هذا.
الثورة تريد أن تبني في مصر مجتمعا عاملا ومنتجا حقا، حرا ووطنيا، يعمل لخير الشعب كله. ولكي تبني الثورة هذا المجتمع لابد أن تزيل مجتمع الطفيليات والعمولات والفساد والقهر البوليسي. وسائل الثورة لتحقيق ذلك هي سياسة الشارع المباشرة، هي الحشد الجماهيري والمظاهرات والاضرابات وحتى الاضراب والعصيان المدني العام اذا اقتضى انتصار الثورة ذلك. وسائل الثورة في ذلك هي أعمال الدعاية والتثقيف لتجذب الملايين المغيبة المقهورة الى مجرى الثورة والسياسة الوطنية، الى مجرى النضال من أجل الحرية والكرامة الانسانية.  وسائل الثورة في ذلك أن تنظم نفسها، أن ينظم الشعب نفسه ويتمرس بالثورة في كل أشكال التنظيم الجماهيرية الجديدة الحرة، التنظيمات السياسية والنقابية والفئوية والمحلية وكافة التنظيمات المدنية، أن يتولى الشعب أموره بنفسه، وأن يحل أجهزة القمع البوليسي، وأن يطرد الفاسدين من أهل المال والأعمال، من أهل السياسة، من أهل الصحافة وأجهزة الاعلام، من المحافظين الفاسدين وموظفي الدولة والحكم المحلي الفاسدين، من قادة النقابات والاتحادات العمالية والنقابات الأخرى التي بنيت تحت رعاية مباحث أمن الدولة.  الشعب يعرف كل هؤلاء وغيرهم جيدا. والثورة تعني أن يتمكن الشعب من ممارسة حقه المشروع في اقصائهم واستبدالهم برجال ونساء أحرارا ووطنيين ومنتخبين من الشعب.
الأستاذ سلامة أحمد سلامة آثر أن يفاجئنا صباح اليوم بجملة من الأفكار التي تبدو خارج السياق تماما في مقالته بالشروق تحت عنوان "بعد شهر من الثورة". فهو يرى أن " روح الثورة ومطالبها ومكاسبها لن يتحقق باستمرار الدعوة للتظاهر والاضراب عن العمل"  وأنه "لابد أن تعود عجلة الإنتاج فى المصانع والإدارات والمنشآت" ثم يقول "أطاحت الثورة بعدد لا بأس به من رءوس الأفاعى وبؤر الفساد التى تغلغلت فى نسيج الدولة وسممت دماء الشعب." الا أنه يغضب فجأة ويقول "ولم يعد من الممكن أن يظل الحديث عن الماضى والضباب الذى يحيط به هو شغلنا الشاغل. ولا أن يرتفع سقف المطالب إلى حدود العشوائية والتضارب وطلب المستحيلات!" ويستمر في الدعوة الى عودة الأمور الى وضعها الطبيعي، ويؤيد فكرة البرادعي عن تشكيل مجلس يضم مدنيين ويرأسه عسكري (و ان لم يكن هذا بالضبط ماطالب به البرادعي منذ وقت مبكر) ويذكر مسألة البدء بالانتخابات البرلمانية أم بالرئاسية، ويتركها دون أن نعرف رأيه، وينصح المجلس العسكري بعدد من الاجراءات التي يمكن أن تحقق "الهدوء المنشود" ويعترف بالمخاوف من انتصار قوى غير ديمقراطية في أي انتخابات مقبلة والمخاوف من عجز ماأسماه الثورة الشبابية عن تشكيل حزب سياسي في المدة القصيرة التي تتيحها خطة المجلس العسكري الخ
وفي مقاله الاحتفالي بالثورة كان يقول في يوم 14 فبراير "أن روح الشباب قد نفخت فى الشعب المصرى بدوره روحا جديدة. وأخرجت من أعماقه مشاعر كبرياء كانت قد انطفأت، وقيما كانت قد ضاعت، وأحاسيس بالعزة والكرامة كانت قد تلاشت، وإصرارا على التغيير الكامل للنظام دون مساومة أو مراوغة.
يمكن القول إذن إن مصر توشك أن تنضم إلى ركب الشعوب المتقدمة، وأن تحقق ما عجزت عن تحقيقه طوال ثلاثة عقود. وقد بدا واضحا أن تصميم الشباب على التغيير لا يقتصر على إسقاط الرئيس مبارك، ولكن أيضا على إلغاء نظام حكم الفرد الواحد، والحزب الواحد، والحكم بالقوانين الاستثنائية والطوارئ، وتزوير الانتخابات، وإهدار ثروات البلاد لصالح قلة من رجال الأعمال الفاسدين، وتوظيف البرلمان لإضفاء شرعية مشبوهة على النظام. ولا يوجد شك فى أن القوات المسلحة التى عهد إليها بإدارة البلاد فى الفترة الانتقالية الراهنة تدرك مطالب الشعب وتنحاز إليها وتعمل على تحقيقها!"
وكان قد رشق عصابة صحفيي واعلاميي مبارك الذين تحولوا الى تأييد الثورة بمجرد طرد الديكتاتور بمقطع كبير من حراب صلاح عبد الصبور الشعرية ووصفهم بنفس أوصاف عبد الصبور "كهان الكلمات الكتبة" وانتهى في هذا المقال بنعي الصحافة المملوكة للدولة "إن هذه التجربة تجعلنا نعترف بأن سقف الحرية للصحف المملوكة للدولة.. يظل محكوما بما يفرضه النظام من رؤى وسياسات، وليس بما تقتضيه مبادئ الحرية الإعلامية وحق التعبير والالتزام بالمهنية والموضوعية."
 انتاب الاضطراب موقف الأستاذ سلامة من الثورة. فخلال بضعة أسابيع فحسب، تحول موقفه من تفهم حماسي  "للاصرار على التغيير الكامل للنظام دون مساومة أو مراوغة" الى داعية للتهدئة والهدوء والعودة الى العمل وعودة الأمور الى وضعها الطبيعي. ومن كاتب يفهم "أن تصميم الشباب على التغيير لايقتصر على اسقاط الرئيس مبارك" الى رجل فرغ صبره من الحديث عن الماضي (الماضي!) لمدة اسبوعين فحسب بعد رحيل السفاح الى شرم الشيخ. ولم يعد يطيق تطور المطالب وتحولها الى ما أسماه "العشوائية والتضارب وطلب المستحيلات". وأصبح أكثرتذمرا من "الدعوة الى التظاهر والاضراب عن العمل" فهي قد أصبحت في رأيه تتعارض مع "روح الثورة ومطالبها ومكاسبها". وبكلمة: أصبح الآستاذ منزعجا من الثورة. وعلينا أن نأسف اذ نبلغه أن الثورة مضطرة الى أن تزيده انزعاجا. فما يسميه "الماضي" انما هو كامل نظام النهب والخراب الذي أقامه مبارك على حراب البوليس و مباخر كهان الكلمات من الكتبة والمذيعين وغابة التشريعات القاتلة للحريات. من يقاوم كل هذا الارث والواقع الأسود؟ وكيف؟ في نفس يوم نشرمقال الأستاذ كان النائب العام يمنع السفاح وأسرته من السفر، ويتحفظ على ممتلكاتهم. خطوة جديدة تستكمل الرحيل عن قصر الرئاسة. هل كان ذلك يحدث دون نضال الشعب واستمرار الثورة؟ وفي نفس الليلة التي كان الأستاذ يكتب فيها مقاله، كان الشعب التونسي الثائر المصمم على التغيير الكامل للنظام دون "مساومة أو مراوغة" يسقط محمد الغنوشي ووزارته. ان المظاهرات والاضرابات هي أساليب نضال أساسية، يجب على الثورة أن تجيد استخدامها على الدوام في معركتها التاريخية مع أعدائها. أما مطالب الثورة وأهدافها التكتيكية والاستراتيجية فهي على العكس، تزداد وضوحا وانسجاما وتماسكا يوما بعد يوم. وما كان يبدو مستحيلا قد حدث: ثورة الشعب المصري نفسها، وبالكيفية التي جرت وتجري بها، واقتلاعها لمن سيكون آخر الطغاة على أرض مصر والى آخر الزمان. الثورة يجب أن تمتد وأن تحرر كل شبر وكل انسان على أرض مصر. لقد حققت ماكان يبدو مستحيلا، وتمضي في طريقها لبناء مصر الحديثة، كائنا جميلا أبهى مايكون الجمال، ومستحيلا!